أبو حامد الغزالي

164

تهافت الفلاسفة

والجواب من وجوه : الأول ، أن قولكم : إنه يعلم ذاته مبدأ ، تحكم ، بل ينبغي أن يعلم وجود ذاته فقط ، فأما العلم بكونه مبدأ ، فيزيد على العلم بالوجود ، لأن المبدئية إضافة إلى الذات ، ويجوز أن يعلم الذات ، ولا يعلم إضافته ؛ ولو لم تكن المبدئية إضافة ، لتكثرت ذاته ، وكان له وجود ومبدئية ، وهما شيئان ، وكما يجوز أن يعلم الإنسان ذاته ، ولا يعلم كونه معلولا ، إلى أن يعلم ، لأن كونه معلولا إضافة له إلى علته ، فكذلك كونه علة إضافة له إلى معلوله ، فالإلزام قائم في مجرد قولهم : إنه يعلم كونه مبدأ ، إذ فيه علم بالذات ، وبالمبدئية ، وهو الإضافة ، والإضافة غير الذات ، والعلم بالإضافة غير العلم بالذات ، بالدليل الذي ذكرناه ، وهو أنه يمكن أن يتوهم العلم بالذات ، دون العلم بالمبدئية ، ولا يمكن أن يتوهم العلم بالذات ، دون العلم بالذات ، لأن الذات واحدة . الوجه الثاني هو أن قولكم : إن الكل معلوم له بالقصد الثاني ، كلام غير معقول ، فإنه مهما كان علمه محيطا بغيره ، كما يحيط بذاته ، كان له معلومان متغايران ، وكان له علم بهما ، وتعدد المعلوم وتغايره ، يوجب تعدد العلم ، إذ يقبل أحد المعلومين الفصل عن الآخر في الوهم ، فلا يكون العلم بأحدهما عين العلم بالآخر ، إذ لو كان العلم بأحدهما عين العلم بالآخر ، لتعذر تقدير وجود أحدهما دون الآخر ، وليس ثم آخر ، مهما كان الكل واحدا ، فهذا لا يختلف بأن يعبر عنه بالقصد الثاني . ثم ليت شعري ، كيف يقدم على نفى الكثرة من يقول : إنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، إلا أنه يعرف الكل بنوع كلى ؛ والكليات المعلومة له لا تتناهى ، فيكون العلم المتعلق بها - مع كثرتها وتغايرها - واحدا من كل وجه . وقد خالف « ابن سينا » في هذا غيره من الفلاسفة ، الذين ذهبوا إلى أنه لا